محمد حسين الذهبي

529

التفسير والمفسرون

سنثيره فيها ، ليبحث في هدوء وسكون ، فقد نصل فيه إلى تذليل تلك العقبة التي تقوم في سبيل الأخذ بالتشريع الإسلامي من ناحية تلك الحدود بوجه آخر جديد . . . وسيكون هذا بإعادة النظر في النصوص التي وردت فيها تلك الحدود ؛ لبحثها من جديد بعد هذه الأحداث الطارئة ، وسأقتصر في ذلك - الآن - على ذكر ما ورد في تلك الحدود من النصوص القرآنية ، وذلك قوله تعالى في حد السرقة : « وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » « 1 » وقوله تعالى في حد الزنى : « الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ » « 2 » فهل لنا أن نجتهد في الأمر الوارد في حد السرقة وهو قوله تعالى ( فاقطعوا ) والأمر الوارد في حد الزنى وهو قوله تعالى ( فاجلدوا ) فنجعل كلا منهما للإباحة لا للوجوب ، ويكون الأمر فيهما مثل الأمر في قوله تعالى : « يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ » « 3 » فلا يكون قطع يد السارق حدا مفروضا ، لا يجوز العدول عنه في جميع حالات السرقة ، بل يكون القطع في السرقة هو أقصى عقوبة فيها ، ويجوز العدول عنه في بعض الحالات إلى عقوبات أخرى رادعة ، ويكون شأنه في ذلك شأن كل المباحات التي تخضع لتصرفات ولى الأمر ، وتقبل التأثر بظروف كل زمان ومكان . وهكذا الأمر في حد الزنى سواء أكان رجما أم جلدا ، مع مراعاة أن الرجم في الزنى لا يقول به فقهاء الخوارج ؛ لعدم النص عليه في القرآن الكريم ، وهل لنا أن نذلل بهذا عقبة من العقبات التي تقوم في سبيل الأخذ بالتشريع الإسلامي ، مع أنا في هذه الحالة لا نكون قد أبطلنا نصا ولا ألغينا حدا ،

--> ( 1 ) الآيتان ( 28 و 29 ) من سورة المائدة . ( 2 ) الآية ( 2 ) من سورة النور . ( 3 ) الآية ( 31 ) من سورة الأعراف .